محمد بن محمد حسن شراب
196
شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري
نشاط مثل الفحل الهائج في وقت الضرّاب ، ثم يقول : ذكرا فوائد الناقة : تفرّج للمرء من همّه * ويشفى عليها الفؤاد السّقم ثم يذكر البيت الشاهد : وقوله إلى المرء : ال : في المرء لاستغراق خصائص الأفراد نحو زيد الرجل أي : الكامل في هذه الصفة . وقيس : بدل من المرء . والسّرى : يكون أول الليل وأوسطه وآخره . وقوله : وآخذ : معطوف على أطيل السرى ، وعصم : جمع عصام ، يعني عهدا يبلغ به ويعزّ به أو عصم : جمع عصمة : بكسر العين ، وهو الحبل والسبب مثل قوله تعالى وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [ الممتحنة : 10 ] وإنما كان يأخذ من كل قبيلة عهدا إلى قبيلة أخرى ، لأن له في كل حيّ أعداء ، ممن هجاهم أو ممن يكره ممدوحه ، فيخشى القتل ، فيأخذ عهدا ، ليصل سالما إلى ممدوحه . وهذا من الخيوط الدقيقة التي تربط أجزاء القصائد القديمة ، من غزل ، ووصف طريق ، ووصف ناقة ، ووصف معاناة الطريق وإن شئت قلت : هي كالمقدمة الموسيقية التي تهيج وتشوق إلى سماع الإنشاد ، فليست مبتوتة الصلة بما بعدها كما يزعم الجهلة الذين يقرؤن الشعر القديم ، وينعقون وراء كل ناعق . ومحل الشاهد في البيت : أن الشاعر وقف على المنصوب المنون بالسكون ، ولم يبدل تنوينه ألفا . وكان القياس أن يقول : عصما : لأنه مفعول ( آخذ ) ولكن وقف عليه كما يوقف على المرفوع والمجرور . هذا : وفي القصيدة ، صور إنسانية صادقة ، تأخذ بمجامع قلب الغريب عن أبنائه ، وتحثه إلى شدّ الرحال للعودة إليهم ، لتغذيتهم بالحنان الأبويّ الذي لا يغني عنه مال الدنيا ، يضعه تحت أقدامهم . فاستمع إلى أبياته التالية ، وعش هذه التجربة : تقول ابنتي حين جدّ الرحيل * أرانا سواء ومن قد يتم فيا أبتا لا تزل عندنا * فإنا نخاف بأن نخترم فلا رمت يا أبتا عندنا * فإنا بخير إذا لم ترم ترانا إذا أضمرتك البلا * د نجفي ويقطع منا الرّحم [ الخزانة ج 4 / 446 ، والخصائص ج 2 / 97 وشرح المفصل ج 9 / 70 ، وديوان الأعشى ] .